الشيخ علي المشكيني

158

الأصول (مشتمل على تحرير المعالم واصطلاحات الأصول)

العائد على الطوائف وعلّقه باسم الجمع أعني القوم ، ففي كليهما أريد المجموع ، ومن البيّن تحقّق هذا المعنى مع التوزيع بحيث يختصّ بكلّ بعض من القوم بعض من الطوائف قلّ أو كثر ، ولو كان بلوغ التواتر شرطاً لقيل : « ولينذروا كلَّ واحد من قومهم » فمطلوبية الحذر عليهم بالإنذار الواقع على الوجه الذي ذكرناه دليل على حجّيّة خبر الواحد ؛ فإنّ المراد بالحذر الحذر العملي ؛ أعني العمل وترتيب الأثر على ما أخبرت الطائفة به من وجوب وحرمة وصحّة وفساد ، فإذا أخبروهم بصحّة صلاة أو حجّ أو عبادة أخرى أو سقوط واجب أو حرام ، فجواز العمل به لا يكون إلّابحجّيّة إخبارهم لهم . إن قلت : من أين علم مطلوبية الحذر مع أنّه ليس في الآية ما يدلّ عليها ؟ قلت : يعرف ذلك من كلمة « لعلّ » ؛ فإنّ استعمالها في معناها الشائع وهو الإنشاء بداعي توقّع حصول المجهول تحقّقه مستحيل في حقّه تعالى ، فلابدّ أن تكون مستعملة في الإنشاء بداعي أصل المطلوبية وهو يثبت المطلوب . إن قلت : مطلوبية الحذر عنه الإنذار لا تصلح بمجرّدها دليلًا على المدّعى ؛ لكونها أخصّ منه ؛ فإنّ الإنذار هو التخويف وظاهر أنّ الخبر أعمّ منه . قلت : الإنذار هو الإبلاغ ، قال في الصحاح : « الإنذار هو الإعلام مع التخويف . . . الخ » . « 1 » وقريب منه ما في الجمهرة « 2 » والقاموس ، « 3 » والعرف يوافقه ، ولا ريب أنّ عمدة الأحكام الشرعية الوجوب والتحريم وما يرجع بنوع من الاعتبار إليهما كصحّة عقد أو إيقاع أو عبادة وفسادها ، وهما لا ينفكّان عن التخويف ؛ فإنّ الواجب يستحقّ العقاب تاركه ، والحرام يستوجب المؤاخذة فاعله ، فإذا دلّت الآية على قبول خبر الواحد فيهما فالخطب فيها سواهما سهل ؛ إذ القول بالفصل معلوم الانتفاء . فإن قلت : ذكر التفقّه في الآية يدلّ على أنّ المراد بالإنذار الفتوى وقبول خبر الواحد فيها موضع وفاق .

--> ( 1 ) . الصحاح للجوهري ، ج 2 ، ص 825 ، مادّة « نذر » . ( 2 ) . جمهرة اللغة ، ج 1 ، ص 830 ، مادّة « نذر » . ( 3 ) . القاموس المحيط ، ج 2 ، ص 140 ، مادّة « نذر » .